
الحمامة البيضاء
أسطورة بابلية من منظور منتظرة للرحمة الأبدية...
حمامة بيضاء أنتِ
تحملين كل الخير
أم روح آشورية
مليئة بالموت
تسعين للدمار
تسعين للملك
الدمار سيصيبك
والملك لصاحب
الملك
والكون زائل
هل اغتالتك
الأم بتخليها
عنك
أم اغتالك الكون
بالمتاجرة فيك
أم تعلمت
الكره والسفك
من أباطرة
وطغاة الأرض
لا أيتها الحمامة
لا.. لا تنسي
أنتي ...
حمامة بيضاء
تحملين السلام
تنشرين الحب
هذا ما نبتغيه
منك
ننتظرك حمامة
للخير والحياة
حمامة
تمسح دموع الكون.
الحمامة البيضاء نزلت للأرض تحمل كل الطهر والحب لكن بعدما خالطت بشر الأرض تحولت لطاغية تشرب الدماء
وتذهب أرواح الأبرياء حلت لعنة الأرض عليها ألبستها ثوب الغدر والبكاء ... أدعوكم لمتابعة كيف تستطيع شرور الأرض وملوثاتها تغيير ملائكة السماء...
الأسطورة...
غيمة من الحمامات البيضاوات تلف السحاب فوق جبال أرمينيا تشاهدن فيضان النهر عند منابع الفرات
شاهدن الأسماك تهرب وتتمدد علي سطح الأرض
تتبعن فوجدن سمكتان كبيرتان وجدن بيضة ( ربة ديريكيو )
فدفعاتها نحو ضفة النهر فأسرعت الحمامة البيضاء واحتضنت البيضة وغمرتها بالحنان والحماية حتى شعر قشرالبيضة بنبض قلبها
و هزم الحنان جبروت الطوفان فأخرج قشر البيضة الربة الجميلة ديريكيو بوجه امرأة وجسم سمكة...
جمالها الأخاذ وعدلها وحكمتها كانوا أسلحتها الفتاكة فأنبهر بها الإله الأعظم
وأقسم لها أن يلبي كل ما تأمر به فطلبت أن يخلد السمكتين فأصبحتا نجمتين لامعتين ورمز برج الحوت
وطلبت أن تنجب جميع الربات بغير زواج فحملن جميعا وولدن
لكن رغم جمال ابنة ديركيتو وإشعاع النور من جسدها لكنها كانت بجسد إنساني ولم تكن إلهه فشكت الربات فيها فحملت ابنتها عارية في ليلة مظلمة
وتركتها في الصحراء القاسية بين مهب الريح لكن بيلوس إله نينوى
أرسل لها أسراب الحمام ليرفرفن عليها لحمايتها
من شمس النهاروتدفئتها في برد الليل
وأصبحت الحمامات أما لها يحملن اللبن في مناقيرهن ليرضعنها
وعندما كبرت ذهبن للمراعي ليطعمنها من الغذاء
وكان الرعاة يعودون كل مساء فيجدون الطعام منقور فقرروا حل اللغز وترقبوا ما يحدث
وتبعوا الحمام ووجدوا الصبية الفاتنة وأخذوها لبيعها في سوق نينوى للنساء وأسموها سميراميس أي الحمامة البيضاء
ودخل الرعاة بالصبية إلى الساحة المليئة بالشيوخ والشبان واتجهوا إلى المكان الذي تعرض فيه الشابات
و شاهدها سيما ناظر مرابط خيول الملك وكان عقيماً لا ولد له فأحبها ورغب في تبنيها
وساوم الرعاة على ثمنها و حملها إلى بيته وفرحت زوجته بالحمامة البيضاء ذات الجمال الرائع فرحة غامرة .
اعتنت بها عنايتها بابنتها التي حلمت دوما أن تنجبها وظلت ترعاها حتى كبرت وأصبحت فاتنة.
ذات ربيع جاء وزير الملك ليتفقد مرابط الخيل وشاهد الوزير الحمامة البيضاء وسحرته عيناها,
فناداها فتقدمت بخجل تتبع الوزير وركعت أمامه تقدم فروض الاحترام مد مينوتس يده فرفعها لتقف أمامه وأخذ يسألها من تكون ,
لم تستطع أن تجيب وصمتت لكن بعد فترة صمت قالت: ابنة ناظر المرابط الملكية
نادى الوزير على سيما وسأله عن ابنته فلم يستطع سيما أن يكذب فسرد للوزير قصتها
مذ رآها الرعاة وحتى أصبحت ابنته التي لا يطيق فراقها أبدا ,
أحس الوزير من طريقة سيما أنه لا يمانع في تركها مقابل مبلغ كبير من المال فأخرج الوزير صرة من المال قذف بها إليه ثم انطلق بالفتاة.
في الطريق إلى العاصمة كان قلبه قد شغف بها حباً وعندما بلغ القصر كان أول ما فعله أن سلمها للمزينات و اخرج لها من خزائنه حلياً لا يوجد لها مثيل إلا في كنوز الملك ,
أخذتها نساء القصر وغسلنها بالماء المعطر ومشطن شعرها الأسود الطويل وأسدلنه على كتفيها خصلاً معقودة بالجواهر ثم ألبسنها الأرجوان الفينيقي الموشى بالذهب وأخرجنها للوزير كأروع ما عرفت نينوى من عرائس
, واحتفل مينوتس بزواجه وأصبحت سميراميس لها الحظوة من بين نساءه وأصبح لا يطيق فراقها
وغذت الحمامة الحب ونمت الشوق حتى أصبحت تحكم الوزير الذي عبدها وخضع لرغباتها وصار يأخذ بآرائها في كل أمر.
و مرت الأيام وسميراميس أهم ما في حياة الوزير ...
حتى قرر الملك نينوس أن يقتحم مملكة مجاورة وانطلق الجيش ,
ورغم أن الجيش كان كبيراً جداً إلا انه لم يستطع هز أسوار العاصمة وظلت القلعة شامخة
و لما طال وقت الحرب زاد شوق الوزير فأرسل في طلب الحمامة التي لبت دعوة زوجها
وحضرت متنكرة في هيئة رجل.
لم يعرفها الجيش في بادئ الأمر ثم تعرفوا عليها.
وطلع الصباح ووقفت سميراميس على باب الخيمة تتأمل العاصمة التي أنهكت الجيش الذي لم يهزم قط ,
فلاحظت أن الهجوم كان ضد المدينة في السهل وليس ضد قلعتها ففكرت ماذا لو هوجمت القلعة وإن قامت هي بهذا الهجوم؟
انطلقت إلى الخيمة و أقنعت زوجها بخطتها وما هي إلا ساعة حتى انتفضت القلعة من هجوم فرقة قوية قادتها سميراميس وانتبه الملك والوزير والجيش جميعاً
فإذا سميراميس واقفة على رأس القلعة تلوح بذراعيها ليتقدموا.
عرف الجميع أنه النصر على يد امرأة وبعض الجنود ,
سأل الملك وزيرة من تكون هذه المرآة شعر مينوتس بدنو كارثة وأدرك أن سميراميس قد راقت الملك فسكت ولم يجب فأعاد الملك السؤال فقال الوزير إنها زوجتي يا مولاي ,
عاد الملك إلى العاصمة فأرسل إلى وزيره يأمره بدعوة سميراميس إليه فلم يستطع الوزير إلا الإنحاء بالسمع والطاعة ,
جاءت سميراميس على محفتها.
و دخلت عند الملك وعندما وقعت عيناه عليها ذاب قلبه في هواها و قرر أن تترك زوجها لتصبح له وحده ,
عادت سميراميس إلى قصر زوجها و في إثرها رسول يقول للوزير زوجتك راقت للملك والملك سيزوجك ابنته بدلاً من سميراميس.
انهار الوزير من رسالة الملك ورغبته التي لا يمكن أن ترد وأخبر سميراميس ما جاء في الرسالة وسألها كيف نتخلص من طلب الملك دون أن نغضبه أجابته على الفور نلبي طلبه على أن أسعى أثناء إقامتي في البلاط على إقناع الملك بإعادتي إليك. نزل الوزير عند إرادتها وهو حزين وأرسلها إلى قصر الملك وما كاد يبصرها خارجة إلى محفتها حتى اسودت الدنيا في عينه وشنق نفسه في شجرة وتدلت جثته التي لم يجد من يواريها التراب فقد حكم على نفسه بالإعدام.
ودخلت الحمامة البيضاء قصر الملك كملكة و عرفت كيف تجعل الملك يكتفي بها ويطرد جميع محظياته ونسائه فالدنيا هي سميراميس وحدها.
وعرفت كيف تجعل الملك يتعلق بها حتى في غزواته وحروبه لكن خروجها معه في غزواته وحروبه
ملأتها كرها وحقداً و احتقاراً له فقد كان يستعمل في حروبه أبشع وأقسى أنواع التنكيل و الإرهاب تماماً ككل من سبقوه من ملوك بابل وأشور فكيف تحتمل ابنة حمامات السلام مشاهد الدم المسفوك في كل مكان ,
فقد كان عندما يظفر بأعدائه من الثوار يأمر بسلخ جلود كل الشبان و هم أحياء ويعلق الجلود على جدران أبواب المدينة ويقطع رؤوس الثوار و ينظمها في حبل على شكل عقد ويحكم على من بقي حياً من الرجال بأن يأكلوا لحوم أبنائهم و بناتهم و من يأبى يقطع أنفه و أذنيه و شفتيه ثم يساق مع الآخرين إلى العاصمة ليدخل بهم دخول الغزاة المنتصرين ,
و لم تطق سميراميس تلك الفظائع وكرهت ذلك الوحش كرهاً جما و دفعتها كراهيتها وحب السيطرة إلى أن تسعى للتخلص من هذا الزوج و كانت سميراميس تعرف الطريق جيداً فقد عرفت من قبل كيف تتمنع على الملك وكيف تقصيه عنها حتى لتشعل في قلبه نار الشوق فإذا ما تضاءل أمامها و أنهار كان هذا هو الوقت الذي تطلب فيه ما تريد و سرعان ما يلبي و يجيب.
و ذات مساء و بينما الملك جالسٌ في مقصورتها و كله شوق أخذ يحدثها بأن الوقت قد حان لتطلب ما تريد فطلبت أن يسلمها كل سلطانه لثلاثة أيام تجلس على العرش ويكون لها الأمر فتطاع فابتسم الملك ثم ضحك ثم قال لها لكِ ما تريدين.
جلست سميراميس على عرش نينوى تأمر وتنهى و تحكم في اليوم الأول و جاء اليوم الثاني فكان أول أمر أصدرته سميراميس أن يقبضوا على الملك و أطاع الجنود و اقتيد زوجها الملك إلى السجن وهو يستعطفها في ذل و خضوع
ابتسمت له ساخرة ثم قالت للجنود :اذبحوه.
ولم تعد سميراميس ابنة للحمائم بل أصبحت ملكة أكثر قسوة من كل طغاة بابل و أشور وعلم الشعب بالأمر فهاج وثار و اجتمعت الجماهير أمام القصر تهتف بالثأر وتطالب برأس الملك.
فخرجت سميراميس تطل من شرفتها وهي منفوشة الشعر و نصف عارية فتحول الصخب والضجيج إلى صمت ثم إلى عبادة وصلاة للملكة القاتلة,
سجد الجميع وتفرقوا وقد أصبحت سميراميس في مقام الآلهة و أصبحت تحكم دولة مترامية الأطراف و تقود شعبها من مجد إلى مجد جديد على عرش أشور .
عشرين عاماً صنعت خلالها سميراميس جيشاً لم ترى أشور مثيلاً له
زحفت به لتخضع آسيا وميديا وفارس و أرمينيا و فينقيا
و لم يقف في وجهها سوى الهند البلد الساحر القوي الذي يستخدم الأفيال القوية في حروبه لكن سميراميس استخدمت الحيلة فقد جهزت مائة ألف جمل تمت تغطيتهم بجلد الثيران لتبدو كأنها أفيال وخرجت سميراميس على رأس جيش جرار وصنعت ألفي مركب تشق بها مياه نهر السند وحملتها على ظهور الجمال,
بدأت الحرب والتقى الجيشان كانت سميراميس قد أنزلت فيلتها الزائفة إلى المعركة فكسبت الجولة الأولى وأسرت مائة ألف هندي وأغرقت ألف مركب وتظاهر الملك الهندي عندها بالتراجع
فانطلق جيش سميراميس خلفه يجمع الغنائم و في اليوم التالي انطلقت جيوش سميراميس تلاحق الجيش المتقهقر ولكن سرعان ما أدرك الهنود الحيلة برؤيتهم جثث الفيلة الزائفة فعادوا بفيلتهم الحقيقية ليسحقوا جيش سميراميس
الذي سرعان ما هزم وفر الباقي خوفا من الموت
أما سميراميس فقد أصابها سهم من يد الملك الهندي فأسرعت بعبور نهر السند عائدة إلى بلادها,
لم يتبعها الملك إذ حذره الكهنة من مغبة العبور و تم الصلح بتبادل الأسرى
وعندما عادت سميراميس إلى أشور لم يكن يحيط بها سوى الربع أو اقل من جيشها الذي خرجت به.
و
أصبحت المؤامرات والمكائد تحاك لها في عاصمتها من أبنها ميناس الذي طمع بالملك ,
شعرت سميراميس بما يدبره ولدها فتنازلت له عن العرش وسلمته مقاليد الحكم. خلعت التاج وخرجت من عاصمتها بابل
لتعود إلى الصحراء التي رحمتها وهي صغيرة رجعت حيث مكانها الحاني
لكنها لم تطق الوحدة فرفعت يديها إلى السماء تطلب من الإله بيلوس أن يأخذها إليه فاستجاب لها رب الأرباب فحولها إلى حمامة بيضاء
وفي السماء حلقت مع غيمة الحمامات البيضاء ترفرف عالياً في السماء تنشر الحب والسلام
وهناك عاشت كواحدة من ربات أشور و بابل وعبدها أهل السماء كما عبدها سكان الأرض.
فهل تنتظر الأرض سميراميس أشور لتقضي علي ما تبقي فيها من خير ؟؟؟
أم ننتظر الحمامة البيضاء لتقينا شر ميناس وأباطرة الأرض ؟؟؟
مريم الصايغ صحفية أديبة ناقدة
. 